مجد الدين ابن الأثير

38

المختار من مناقب الأخيار

الصّبا . يذكر أن أخاه عيسى قال : كنت أنا وأخي معروف في الكتّاب ، وكنّا نصارى ، وكان المعلّم يعلّم الصّبيان : آب وابن . فيصيح أخي معروف : أحد أحد . فيضربه المعلّم على ذلك ضربا شديدا ، حتى ضربه يوما ضربا عظيما ، فهرب على وجهه ، فكانت أمي تبكي ، وتقول : لئن ردّ اللّه عليّ ابني معروفا لأتبعنّه على أيّ دين كان . فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة ، فقالت له : يا بني ، على أيّ دين أنت ؟ فقال : علي دين الإسلام . فقالت : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . فأسلمت أمي ، وأسلمنا كلّنا « 1 » . وفي رواية : أنّه مضى إلى عليّ بن موسى الرّضا ، وأسلم على يده ، ورجع إلى منزله ، فدقّ الباب ، فقالوا : على أيّ دين أنت ؟ فقال : على الدّين الحنيفيّ . فأسلم أبواه ، ووافقاه . وقال ابن شيرويه : كنت أجالس معروفا الكرخي كثيرا ، فلمّا كان ذات يوم رأيت وجهه قد خلا ، فقلت له : يا أبا محفوظ ، بلغني أنك تمشي على الماء ؟ فقال لي : ما مشيت قطّ على الماء ، ولكن إذا هممت بالعبور يجمع لي بين طرفيها فأتخطّاها « 2 » . وقال محمد بن منصور : مضيت يوما إلى معروف الكرخيّ ، ثم عدت إليه من غد ، فرأيت على وجهه أثر شجّة ، فهبت أن أسأله عنها ، وكان عنده رجل أجرأ عليه مني ، فقال له : كنّا عندك البارحة فلم نر في وجهك هذا الأثر . فقال معروف : خذ فيما تنتفع به . فقال له : أسألك بحقّ اللّه . فانتفض معروف ، ثم قال له : ويحك ، وما حاجتك في هذا ؟ مضيت البارحة إلى بيت اللّه الحرام ، ثم صرت إلى زمزم ، فشربت منها ،

--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 318 ، 319 . ( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 206 .